الأربعاء 2 سبتمبر 2026 - 17:30
آية اللّه المرويّ: ينبغي أن تكون الحوزة العلميّة مستعدّةً للإجابة على الموجة العالميّة من الأسئلة حول التشيّع

وكالة الحوزة - أكّد الأمين الثاني للمجلس الأعلى للحوزات العلميّة الإيرانيّة أنّ الأجواء الجديدة التي تشكّلت في العالم الإسلاميّ تجاه الثورة الإسلاميّة ومذهب التشيّع تفرض على الحوزات العلميّة إعداد طلّابٍ شاملين ومتمتّعين بالعلوم المتنوّعة؛ ليكونوا قادرين على الإجابة على موجة الأسئلة والطلبات الفكريّة الصادرة عن نخب العالم الإسلاميّ.

وكالة أنباء الحوزة - في كلمةٍ ألقاها خلال الاجتماع الثالث عشر لمديري الحوزات العلميّة الإيرانيّة بالمحافظات، الذي انعقد في مدينة قم المقدّسة، أعرب آية اللّه جواد المرويّ، الأمين الثاني للمجلس الأعلى للحوزات العلميّة الإيرانيّة، عن تقديره لجهود مدير الحوزات العلميّة الإيرانيّة، سماحة آية اللّه عليرضا الأعرافيّ، ونوّابه ومعاونيه ومديري الحوزات العلميّة في المحافظات، وقال في إشارةٍ إلى الموضوعات المطروحة خلال هذا الاجتماع مؤكّدًا: إنّ العناوين والموضوعات التي طُرحت في هذا الاجتماع أو التي من المقرّر بحثها لاحقًا تُعدّ بأجمعها من المباحث الهامّة والأساسيّة للحوزات العلميّة، ويحتاج كلٌّ منها إلى دراسةٍ معمّقةٍ وحوارٍ علميٍّ تخصّصيٍّ.

وأضاف: إنّ تقييم هيكليّة النظام التعليميّ القائم وأهدافه وكفاءته، وتشخيص مواطن الخلل في أساليب التدريس، ومدى انسجام النظام التعليميّ مع احتياجات الجيل الجديد، وإصلاح نظام التقييم، والاهتمام بالدراسات المستقبليّة، ووضع السياسات والاستراتيجيّات لتطوير النظام التعليميّ، وتحديد مؤشّرات الحوزة العلميّة الرائدة والمتفوّقة وبيان دور الأساتذة والنخب في تحقيق هذا الهدف، إضافةً إلى دور الحوزات العلميّة في ظروف الحرب المفروضة وما بعدها، تُعدّ جميعها من الموضوعات المهمّة التي ينبغي متابعتها بجدّيّةٍ.

العالم الإسلاميّ يواجه أجواءً جديدةً تجاه الثورة الإسلاميّة والتشيّع

وأشار آية اللّه المرويّ إلى تجربته في التواصل مع الأوساط العلميّة والنخبويّة في العالم الإسلاميّ وفي بلدانٍ أخرى من العالم، قائلًا: إنّني على تواصلٍ منذ سنواتٍ طويلةٍ مع الجامعات والمجامع العلميّة والنخب والشخصيّات الأكاديميّة في مختلف البلدان، وذلك حتّى قبل انتصار الثورة الإسلاميّة.

وأضاف: أنّ ما يستحقّ اليوم اهتمامًا جدّيًّا هو أنّه بعد الحرب المفروضة التي استمرّت اثني عشر يومًا والتحوّلات التي أعقبتها، وكذلك بعد استشهاد القائد الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه)، تشكّلت في العالم الإسلاميّ أجواءٌ جديدةٌ لم نشهد مثيلاً لها منذ انتصار الثورة الإسلاميّة حتّى اليوم.

وأوضح: يسعى اليوم النخب والشخصيّات العلميّة والاجتماعيّة في مختلف البلدان، على نطاقٍ واسعٍ، إلى التعرّف على الثورة الإسلاميّة ومذهب التشيّع وتعاليمه، الأمر الذي يضاعف من مسؤوليّة الحوزات العلميّة أضعافًا مضاعفةً.

وتابع مؤكّدًا: ينبغي للحوزات العلميّة أن تهيّئ نفسها لتربية كوادر قادرةٍ على الإجابة على الكمّ الهائل من الطلبات والأسئلة والشبهات المطروحة في العالم الإسلاميّ.

توجّه أستاذٍ جامعيٍّ مغربيٍّ نحو التشيّع

واستعرض الأمين الثاني للمجلس الأعلى للحوزات العلميّة الإيرانيّة نموذجًا من حواراته مع أحد نخب العالم الإسلاميّ، قائلًا: التقيتُ خلال حجّ هذا العام بشخصيّةٍ من المغرب، كان أستاذًا للفيزياء في إحدى الجامعات، وكانت زوجته أيضًا طبيبة أسنانٍ، وأجريتُ معه حوارًا استمرّ عدّة ساعاتٍ، وكان من الواضح خلاله مدى توجّه النخب نحو الثورة الإسلاميّة ومدرسة التشيّع.

وأضاف: صرّح هذا الأستاذ منذ بداية الحوار بأنّه عازمٌ على اختيار مذهب التشيّع فكرًا وعقيدةً لنفسه. فقلت له: إنّ القرارات العاطفيّة لا تكفي في مثل هذه القضايا، بل ينبغي التعرّف إلى التشيّع بالدراسة والبرهان والاستدلال؛ لأنّ القضايا العقديّة والمذهبيّة لا يمكن حلّها بالانفعالات والعواطف العابرة. ثمّ قلتُ له: إذا ذهبتَ الآن إلى مكّة وأدّيتَ مناسك الحجّ وفق المذهب السنّيّ، ثمّ تشيّعتَ بناءً على الدراسة والبحث، فإنّ الفقه الشيعيّ يرى حجّك وأعمالك في فترة اعتقادك بالتسنّن مُجزئةً، ولكن إذا تشيّعتَ الآن بناءً على المشاعر والعواطف وأدّيتَ مناسك الحجّ ثمّ تخلّيتَ عن مذهب التشيّع بناءً على الدراسة، فإنّ الفقه السُّنّي يرى عملك باطلًا وغير مجزئٍ.

وتابع قائلًا: قالت زوجة هذا الأستاذ بعد ذلك إنّهما أمضيا أشهرًا في دراسة مذهب التشيّع، ووصلا إلى قناعةٍ بأنّ الإسلام الحقيقيّ هو الإسلام الذي يقف اليوم في مواجهة القوى الكبرى في العالم.

ولفت إلى المشاركة الواسعة للشخصيّات والنخب الأجنبيّة في مراسم تشييع جثمان القائد الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه)، مبيّنًا: لقد شهدنا بعد تلك المراسم أيضًا حضور أعدادٍ كبيرةٍ من الشخصيّات والضيوف الأجانب، وأظهرت الحوارات التي أجريت معهم أنّ أجواءً جديدةً قد تشكّلت في العالم الإسلاميّ تجاه الثورة الإسلاميّة ومذهب التشيّع.

ضرورة تربية طلّابٍ شاملين للتعريف بالمدرسة والثورة الإسلاميّة

وشدّد آية اللّه المرويّ على ضرورة تخطيط الحوزات العلميّة بما يتناسب مع هذه الظروف الجديدة، قائلًا: إنّ الطالب الذي يتصدّى لتبيين الأفكار السامية لمذهب التشيّع والثورة الإسلاميّة للعالم، ينبغي أن يتمتّع بنوعٍ من الشموليّة العلميّة والفكريّة.

وصرّح سماحته بأنّ التخصّص لا يتنافى مع الشموليّة العلميّة، مضيفًا: ينبغي أن نوجّه مجموعةً من فضلاء الحوزة الشباب، منذ المراحل الأولى من دراستهم، نحو اكتساب الشموليّة في مختلف المجالات، لكي يصبحوا في المستقبل شخصيّاتٍ مؤثّرةٍ وقادرةٍ على خدمة مذهب التشيّع والثورة الإسلاميّة.

وتابع قائلًا: إنّني أتعامل مع الطلّاب الشباب والأفاضل يوميًّا منذ أكثر من ثلاثة عقودٍ، وأعلم جيّدًا الطاقات الموجودة في الحوزات العلميّة، وأعتقد أﻧّﻨﺎ، رغم بعض أوجه القصور، نملك طلّابًا شبابًا موهوبين في الحوزات العلميّة يمكنهم أن يكونوا في المستقبل شخصيّاتٍ مؤثّرةً جدًّا في العالم الإسلاميّ، وذلك إذا تهيّأت لهم منذ بداية مسيرتهم الظروف اللازمة للتحرّك نحو الشموليّة العلميّة.

آية اللّه الخوئيّ (رحمه اللّه)؛ نموذجٌ للشموليّة العلميّة لدى العلماء

وفي سياق تبيين ضرورة الشموليّة العلميّة للطلّاب، أشار عضو جماعة المدرّسين في حوزة قم العلميّة إلى نماذج من كبار علماء الشيعة، قائلًا: إنّ الشخصيّات المؤثّرة في تاريخ مذهب التشيّع لم تقف عادةً عند مجالٍ علميٍّ محدودٍ، بل كانت تتمتّع بشموليّةٍ فكريّةٍ وعلميّةٍ.

ولفت إلى شخصيّة آية اللّه العظمى الخوئيّ (رحمه اللّه)، موضحًا: لقد كانت لسماحته مطالعاتٌ واسعةٌ في مختلف المجالات العلميّة إلى جانب تخصّصه البارز في الفقه والأصول.

وأضاف: كان أحد تلامذة المرحوم آية اللّه الخوئيّ (رحمه اللّه) ينقل أنّه ذهب مع سماحته إلى منزله في الكوفة بعد درس يوم الأربعاء في مسجد الخضراء. ورآه بعد المغرب يفتح كتابًا ويغلقه، فسأله عن هذا الكتاب، فأجابه بأنّه ديوان "أبي تمّام الطائيّ" الذي حفظ أشعاره في شبابه، وأراد الآن أن يرى أنّ تلك الأشعار لا تزال حاضرةً في ذاكرته أم لا.

وتابع: كان أبو تمّام من كبار شعراء الأدب العربيّ، ولا تزال أعماله تحظى باهتمامٍ في الجامعات ومراكز البحوث المتخصّصة في الأدب العربيّ، وقد ألّفت حوله عشراتٌ بل مئاتٌ من المقالات والرسائل. وكان المرحوم النجاشيّ يقول في حقّه: «كان إماميًّا وله أشعارٌ كثيرةٌ في أهل البيت (عليهم السلام)». ويقول عنه الجاحظ: «كان من رؤوس الرافضة».

وأضاف: وهذه القضيّة تظهر أنّ هذا العالم الحوزويّ الكبير كان على صلةٍ عميقةٍ بالأدب العربيّ وآثاره البارزة إلى جانب الفقه والأصول والتفسير. وهذه الشموليّة العلميّة والفكريّة هي التي بإمكانها أن تهيّئ للعالم أسباب التأثير في مختلف المجالات.

القائد الشهيد للثورة الإسلاميّة؛ نموذجٌ بارزٌ للشموليّة العلميّة والفكريّة

وتطرّق الأمين الثاني للمجلس الأعلى للحوزات العلميّة الإيرانيّة إلى شخصيّة القائد الشهيد للثورة الإسلاميّة الإمام الخامنئيّ (رضوان اللّه تعالى عليه)، معتبرًا إيّاه نموذجًا بارزًا للشموليّة العلميّة والفكريّة في عالم التشيّع، وأضاف: إنّ الفقه والأصول والكلام والتفسير والأدب العربيّ الحوزويّ والأدب العربيّ الكلاسيكيّ ليست كلّها سوى جزءٍ من المجالات العلميّة والفكريّة التي اهتمّ بها سماحته، وتُعدّ هذه الشموليّة العلميّة والفكريّة أحد العوامل الهامّة لتأثير كلماته وشخصيّته في العالم الإسلاميّ.

ونقل ذكرى عن لقائه بجمعٍ من أساتذة جامعة بغداد خلال أيّام الأربعين، قائلًا: أجريتُ في أيّام الأربعين حوارًا استمرّت ستّ ساعات مع عددٍ من أساتذة جامعة بغداد، ممّن لم يمتلك بعضهم التزامًا دينيًّا ملحوظًا، وأجبتُ على مختلف الشبهات التي كانت لديهم بشأن الأربعين ورجال الدين والثورة الإسلاميّة، ثمّ سألتهم عن سبب حضورهم في مراسم تشييع جثمان القائد الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه). فأجاب أحدهم أنّ سبب اهتمامه وإعجابه بسماحته يعود إلى المطالعة حول شخصيّته عبر أكبر شعراء العرب في القرن العشرين، أي محمّد مهدي الجواهريّ. ثمّ أوضح أنّ هذا الشاعر العربيّ البارز التقى بالقائد الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه) في مكتبته خلال زيارته لإيران، وتحدّث سماحته عن أشعار الجواهريّ، بل وأحضر ديوان أشعاره من المكتبة وأراه الهوامش والملاحظات التي كتبها حول أشعاره.

وأضاف: إنّ هذا المستوى من المعرفة العميقة التي يتمتّع بها القائد الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه) بأعمال أحد أبرز الشعراء العرب المعاصرين، كان مذهلًا جدًّا للجواهريّ، وجعله يتعامل باحترامٍ خاصٍّ تجاه سماحته. وقدّم الجواهريّ بعد ذلك اللقاء قصيدةً طويلةً في وصف القائد الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه)، قال فيها:

«سَيِّدِي أَيُّهَا الأَعَزُّ الأَجَلُّ ... أَنْتَ ذُو مِنّةٍ وَأَنْتَ المـُدِلُّ

يَعْجَزُ الحَرْفُ أَنْ يُوَفِّيَ عَظِيمًا ... كُلُّ مَا قِيلَ فِي سِوَاهُ يَقِلُّ»

وكان هذا الأستاذ في جامعة بغداد يقول إنّه تناول شخصيّة القائد الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه) بالدراسة بعد اطّلاعه على هذه القصيدة وسماع حكايته، وتوصّل إلى قناعةٍ بأنّه يواجه شخصيّةً تتمتّع بشموليّةٍ فريدةٍ.

ضرورة تبيين شخصيّة القائد الشهيد لنخب العالم الإسلاميّ

كما أشار عضو جماعة المدرّسين في حوزة قم العلميّة إلى حواره مع أحد أساتذة جامعة عين شمس بالقاهرة، وقال: التقيتُ خلال حجّ هذا العام بأستاذٍ من جامعة عين شمس بالقاهرة، وأجريت معه حوارًا. فقال هذا الأستاذ الجامعيّ إنّه يحتفظ في هاتفه المحمول بكلمة القائد الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه) عام 2011م إبّان أحداث الربيع العربيّ، واستمع إليه مرارًا. وقال: عندما استمعتُ إلى هذا الخطاب لأوّل مرّةٍ، تصوّرت أنّ المتحدّث مفكّرٌ مصريٌّ قضى آلاف الساعات في دراسة مصر، حتى يتحدّث بهذه الطريقة. وكانت هذه الكلمة سببًا لدراستي حول التشيّع وتشرّفي بالمذهب الشيعيّ.

وأضاف مؤكّدًا: بناءً على ذلك، يجب أن ننتبه إلى أنّ التخصّص لا ينبغي أن يجعلنا غافلين عن الشموليّة العلميّة. فيجب تصميم النظام التعليميّ في الحوزة العلميّة بصورةٍ تتيح، إلى جانب التخصّص، تهيئة الظروف اللازمة لتربية طلّابٍ شاملين وأفاضل.

ضرورة تحديد الطلّاب الموهوبين وتوجيههم نحو الشموليّة

وفي إشارةٍ إلى الطاقات الموجودة في الحوزات العلميّة جدّد آية اللّه المرويّ تأكيده قائلًا: لدينا في الحوزات العلميّة طلّابٌ شبابٌ فاضلون ومواهب قيّمةٌ، يمكنهم أن يكونوا شخصيّاتٍ مؤثّرةً في العالم الإسلاميّ وفي خدمة مذهب التشيّع إذا هيّأنا لهم منذ البداية مسار الشموليّة.

لمراجعة التقرير باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.

المحرر: أمين فتحيّ

المصدر: وكالة أنباء الحوزة

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha